الأربعاء , 28 يونيو 2017
الرئيسية / رأي / الربيع العربي والفوضى… مقاومة تزييف الحقائق

الربيع العربي والفوضى… مقاومة تزييف الحقائق

 

 

لم تكن الانتفاضات الديمقراطية التي حلت ببلاد العرب في 2011 سوى حراك قطاعات شعبية متنوعة سئمت القمع والتمييز، ورغبت في إصلاح أحوال الدول والمجتمعات بانتزاع الحرية وصون الكرامة الإنسانية وتطبيق مواطنة الحقوق المتساوية وتضييق الفجوات بين الأغلبيات التي لا تملك والأقليات التي تملك.

لم يخرج الناس إلى الفضاء العام في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين لإسقاط الدول الوطنية وهدم مؤسساتها، بل طلبا للخلاص من الاستبداد واستبدال حكوماته الفاسدة (حكومات السراق كما يقولون في تونس) بأخرى تقبل المساءلة وتلتزم الشفافية ويرتبط بقاؤها في مواقع السلطة بالإرادة الشعبية التي يعبر عنها في صندوق انتخابات نزيه. لم يرفع الناس شعارات التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية للانتقام من المستبدين أو لكي يهدروا أمن بلادهم بالتورط في الدوائر الشيطانية للعنف الرسمي والعنف الشعبي المضاد أو لتقويض السيادة الوطنية على وقع مفاعيل الإرهاب، بل من جهة رغبة في عقد اجتماعي جديد يصون الحريات ويضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفقراء والمهمشين ويحد من الاستقطاب والعنف المجتمعيين، ومن جهة أخرى أملا في تجديد دماء مؤسسات الدولة الوطنية وإكسابها شرعية الرضاء الشعبي من خلال اضطلاعها بتنفيذ مكونات ذلك العقد الاجتماعي. لم يتعاطف الناس مع الحركات الشبابية والعمالية ومنظمات المجتمع المدني التي دعت في خواتيم 2010 وبدايات 2011 إلى المشاركة في التظاهرات السلمية بحثا عن يافطات إيديولوجية إن إسلاموية أو عروبية. لم تر في الميادين والشوارع يافطات كالإسلام هو الحل وأسلمة الدولة والمجتمع وتطبيق الشريعة، ولا يافطات تتعلق بالوحدة العربية أو بالقضايا الجامعة كقضية فلسطين. بل خرج الناس إلى الفضاء العام يحملهم وعي جماعي وجهته دولة حديثة تلتزم حكم القانون وتداول السلطة والتنمية المستدامة، وجهته مجتمع حر ينتصر لحريات وحقوق المواطن ويعيد بناء التسامح عبر الفوارق الدينية والعرقية والمذهبية والطبقية، وجهته فضاء عام يضمن حرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم ويتعامل مع ملفات انتهاكات حقوق الإنسان على نحو يكسر حاجزي الصمت والإفلات من العقاب.

ليست الانتفاضات الديمقراطية هي المسؤولة عن الفوضى والدماء والدمار التي أعقبتها، بل الاستبداد والفساد الذين سبقوها وسببوها. في تونس ومصر، استيقظ الناس بعد رحيل زين العابدين بن علي واستقالة حسني مبارك على مؤسسات دولة وأجهزة حكومية عاجزة عن إدارة دورها إزاء المواطن والمجتمع دون تعويل على الأدوات القمعية وبابتعاد عن إنتاج المزيد من المظالم. تورطت الأجهزة الأمنية في البلدين في انتهاكات لحقوق الإنسان في أعقاب الانتفاضات، وفي حين تمكن التونسيون عبر البناء الديمقراطي للسلطتين التشريعية والتنفيذية وتنشيط الحراك المطالب بمساءلة ومحاسبة منتهكي الحقوق وإنهاء الإفلات من العقاب من الحيلولة دون الارتداد السلطوي والإبقاء على الفضاء العام والمجال السياسي مشرعي الأبواب، انتكست مصر على وقع تدخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في شؤون الحكم وهدمها المنظم للمؤسسات ذات الشرعية الديمقراطية (البرلمان في 2012 والرئاسة في 2013) وسارت سريعا باتجاه صعود سلطوية جديدة ترتكب من الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان ما يفزع كالقتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب وتمرر من القوانين ما يخنق الفضاء العام ويقضي على المجال السياسي وتحمي الإفلات من العقاب كممارسة اعتيادية. وبينما تسجل مؤسسات وأجهزة الدولة في تونس نجاحات متتالية في الحد من الفوضى ومواجهة الإرهاب والعنف ويتواصل تفاعلها مع القوى السياسية والمجتمع المدني بشأن إجراءات التحول الديمقراطية، تغرق السلطوية الجديدة في مصر الدولة في والمجتمع في دوامات العنف والعنف المضاد.

أما في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين، فتشاركت جهوزية الحكام المستبدين لاستخدام العنف المفرط ضد جموع المواطنين المطالبين بالتغيير الديمقراطي مع التدخلات الخارجية من قبل قوى إقليمية ودولية لتدفع بالانتفاضات باتجاه دموي ومعسكر أسفر إما عن فوضى عارمة وجرائم ضد الإنسانية وأزمات مجتمعية كبرى كاللجوء والهجرة غير الشرعية وانهيار معدلات الأمان الغذائي والصحي وسقوط لمؤسسات الدولة الوطنية كما في ليبيا وسوريا واليمن أو عن إغلاق عسكري وأمني للفضاء العام وتعقب انتقامي للمطالبين بحكم القانون وصون الحريات ومواطنة الحقوق المتساوية كما في البحرين. في تلك البلدان أيضا لم تكن الانتفاضات الديمقراطية هي المتسببة في الفوضى والدمار والدماء، بل متواليات الاستبداد والفساد والعنف والتدخلات الخارجية التي فرضتها نظم الحكم التي أراد الناس في 2010 و2011 تغييرها أو إصلاحها سلميا.

كذلك لم ترتب الانتفاضات الديمقراطية تغييب ثقافة التسامح وقبول الآخر والمواطنة المتجاوزة للانقسامات الدينية والعرقية والمذهبية والطبقية، فالثقافة هذه لم تكن معنا قبل الانتفاضات واستمر غيابها في أعقابها. حين خرج الناس إلى الفضاء العام للمطالبة بالتغيير، فإن اصطدامهم بسطوة مقولات الكراهية والتطرف والطائفية كان فوريا. لم تكن بضعة أسابيع قد مضت على رحيل الرئيس الأسبق بن علي وبدايات التحول الديمقراطي في تونس، إلا وشرعت جماعات سلفية عنيفة ومتطرفة من جهة في إرهاب مفكرين وسياسيين وحقوقيين ونقابيين علمانيين والتورط في عمليات اغتيال ومن جهة أخرى في إرسال محرضين ودعاة عنف وإرهابيين إلى ليبيا وسوريا وغيرهما. وفي مصر، أعقب نجاح ثورة يناير 2011 في إجبار الرئيس الأسبق حسني مبارك على الاستقالة وقوع اعتداءات على كنائس الأقباط وعلى مصالحهم الاقتصادية والتجارية، ثم ارتكبت الأجهزة الأمنية مذبحة مروعة ضد محتجين أقباط في القاهرة (ماسبيرو). ولم يكن للقوى الديمقراطية المصرية من موقف إزاء كل ذلك سوى الإدانة القاطعة والتحرك للمطالبة بوقف الاعتداءات الطائفية ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي ليبيا وسوريا واليمن، انفجرت الصراعات بين القبائل والأعراق والطوائف والمذاهب المختلفة ما أن تراجعت قدرات الحكومات الاستبدادية على الضبط والسيطرة. وعلى الرغم من أن القوى الديمقراطية التي شاركت في الانتفاضات طلبا لحكم القانون وتداول السلطة قاومت متواليات الصراع والعنف المجتمعيين مثلما واجهت سلميا إرهاب وعنف الحكومات، إلا أنها لم يكن لها أن توقف انهيار الأوضاع الأمنية ومفاعيل الهدم التي طالت مؤسسات الدولة الوطنية والزج بالمجتمعات إلى حروب أهلية أو حروب الكل ضد الكل.

الحقيقة بإيجاز هي أن الربيع العربي سقط ضحية لإرث الفوضى والعنف والتطرف الذي أحدثته حكومات الاستبداد والفساد بعد عقود من سيطرتها على الدول والمجتمعات وانتقامها من المواطن قمعا وتجهيلا ونشرا مجرما لرفض الآخر. ليس الربيع العربي هو المتسبب في الفوضى، بل هي حكومات السراق التي انقلبت على المطالب الديمقراطية وأنتجت ومازالت ثوراتها المضادة التي تبقي لها على مواقع السلطة والهيمنة والنفوذ. كفانا تزييفا للحقائق.

عمرو حمزاوي

المصدر: القدس العربي، 2017/05/23

عن henda hmili

شاهد أيضاً

مسلسل الصراع العربي الصهيوني من الحلقة الأولى …تلخيص

      الشباب الذي يتراوح الآن عمره من عشرين حتى الثلاثين و ما فوقها ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *