الأحد , 30 أبريل 2017
الرئيسية / رأي / من دفتر أحوال مصر واحتمال تزوير انتخابات 2018!

من دفتر أحوال مصر واحتمال تزوير انتخابات 2018!

 

 

هذه محاولة قد تلقي الضوء على جوانب ومقدمات تنبئ عما يمكن أن يجري من الآن وحتى إنتخابات الرئاسة المصرية العام القادم، وظروفها مغايرة لظروف انتخابات 2014، فالفترة المتبقية على بداية الإجراءات والحملات الدعائية باتت قريبة؛ لا تتعدى شهورا معدودة، والمؤشرات ترجح ترشيح السيسي لفترة رئاسية ثانية، معتمدا على ما تراه أجهزة الأمن من ثبات الكتلة الرئيسية المؤيدة وكفايتها لحسم النتيجة لصالحه.

وكان السيسي قد لعب دورا استثنائيا في دعم ثورة 30 يونيو وذلك أدى إلى التفاف قطاعات عريضة من كل الفئات والطوائف حوله، ووصلت شعبيته إلى مستوى غير مسبوق منذ إعلان الجمهورية عام 1953، وجاء تسامح المواطنين وقبولهم بمرشح يدخل معترك السياسة والانتخابات الرئاسية للمرة الأولى، وهو غير مسلح ببرنامج يسير عليه ويتعامل بمقتضاه معهم، وبذلك تنازلوا عن أهم شروط انتخاب الرئيس، وبانتفاء ذلك الشرط اكتفى المشير السيسي بكلام مرسل وعبارات مرتجلة لا تكفي لمعرفته. والبرنامج يمثل لبنة أولى في بنيان العقد الاجتماعي الذي يربط الحاكم بالمحكومين، وهو في الدولة الحديثة من أساسيات «الشرعية الوطنية»، ومن ضمانات سلامة وصحة العلاقة بين الحاكم والمواطن.

ولولا دعم القوات المسلحة لثورة 30 يونيو بمكانتها الخاصة في نفوس المصريين ما كان للسيسي أن يشغل مقعد الرئاسة. وبالقدر الذي أعطته المؤسسة العسكرية من رصيدها بقدر ما بدد هو ذلك الرصيد، وأثر سلبا عليها، ولولا ما تنفذ من مشروعات وخدمات تخفف عن الطبقات الأكثر احتياجا لكان الوضع أكثر تعقيدا.

وجهت الرئاسة إلى نفسها ضربات موجعة؛ وضعتها على درب الخسران، وتمثلت الضربة الأولى في الفشل الذريع في معالجة أزمة سد النهضة مع أثيوبيا، وكانت نظرية المؤامرة جاهزة وسبيلا لتبرير العجز، والسيسي هو الذي سلم الإدارة الأثيوبية خنجرا طعنت به مصر، وكان عبارة عن «خطاب نوايا» موقع منه؛ اعتمدته أثيوبيا وواصلت استكمال بناء السد.

وترتب على ذلك التوقيع «الورطة» عدم تقدير العواقب، ومنها فقدان حصة مصر من المياه أو إنقاصها، وأبسط إنسان يعرف أن النيل يكاد يكون المصدر الوحيد للمياه من «حلفا» على حدود السودان حتى المصب نهاية فرعي دمياط ورشيد في البحر المتوسط، والنيل شريان حياة مصر وأساس نشأة مجتمعها ودولتها. وللحق فأزمة سد النهضة أسبق من اعتلاء السيسي مقعد الرئاسة، لكن توقيعه على «خطاب نوايا» صب في صالح أثيوبيا، التي أدركت هوان وتهافت الأداء السياسي والدبلوماسي المصري، وعملت على إفشال السيسي في معالجة أزمة حيوية بهذا الحجم.

وزاد الوضع تعقيدا بميوعة مواقف «الأشقاء والأصدقاء»، فأيدت دول عربية وإسلامية الموقف الأثيوبي. وكان الاثيوبيون قد تعودوا في السابق على تعامل مختلف في القضايا المشتركة، ووصل الأمر حد استعانة الرئاسة المصرية بتل أبيب لتذليل العقبات التي تعترض احتفاظها بحصتها المائية، وكما كان مبارك كنزا استراتيجيا للدولة الصهيونية، يبدو أن وجود السيسي يمَثل مصدرا للاطمئنان والأمان للوجود الصهيوني واستقراره!!.

وعلى صعيد آخر.. توالت الضربات باتباع السياسة المصرية للنهج الصهيوني، فبالغت في حصار غزة، وفي غلق المعابر، وإغراق الأنفاق بالمياه، ووضع القيود المجحفة على حركة الدخول إلى القطاع والخروج منه، وشيطنة المحاصرين فيه بجريرة «حماس»، في وقت حرصت فيه على توطيد علاقاتها بساسة وجنرالات تل أبيب، ووصل التقارب حد زيارة وزير الخارجية المصري للقدس المحتلة!!.

ويرى عدد من الخبراء في الشأن المصري بأن السياسة المصرية في سنواتها الأخيرة تخصصت في صناعة الأزمات، واستغلالها سبلا للانشغال وإشغال المواطنين بعيدا عن القضايا العامة، ثم تعجز عن حلها، وهي التي فجرت أزمة جزيرتي تيران وصنافير التابعتين لمصر سياسياً وإدارياً، وتطالب بهما السعودية، وتقعان في مدخل مضيق تيران، ما بين خليج العقبة والبحر الأحمر، وتبتعدان عن بعضهما بنحو أربعة كيلومترات، وتتحكمان في مدخل خليج العقبة، وفي ميناء العقبة الأردني وميناء إيلات الصهيوني، الذي أقيم على أنقاض قرية أم الرشراش المصرية المحتلة.. وخطورتها في أنها اعتبرت تنازلا عن الأرض، وهو في العرف الوطني عمل مُحرَّم ومُجرَّم يرقى إلى مستوى التفريط!!

بحانب مواقف أخرى ارتقت لمستوى الجريمة الوطنية؛ مست حياة الملايين، وأشدها وطأة ما جرى للعملة الوطنية، وأدى إلى انخفاض حاد وسريع في مستوى معيشة أكثر من70 ‪في المئة  من المواطنين. وإن كان القرار قد صدر عن محافظ البنك المركزي، فلا يمكنه اتخاذه دون تعليمات مباشرة من رئيس الدولة وعلمه.

واعتادت الرئاسة التصرف في القروض والثروات العامة و«الصناديق الخاصة» بعيدا عن المحاسبة والرقابة، في مشروعات ليس ذات أولوية، وتتبع منطق شاع في أروقة الحكم بالاعتماد على أباطرة المال والتضييق على المواطن والتركيز على بيع أراضي وأصول الدولة للقادرين، ويتصرف فيما لا يحق له من الأصول العامة، ولا يخفف بها من وطأة الحياة التي لا تطاق في أوساط الفلاحين والمزارعين والفقراء (بحق الانتفاع)، ووقف بيعها لـ«المستثمرين» وأباطرة المال وكبار المسئولين.

ولسوء الحظ فإن معدل النمو تراجع خلال 2016 إلى 3‪  في المئة مقارنة بـ5‪.‪ 6 في العام السابق عليه؛ ذلك رغم المليارات التي بُددت، وجاء قرار تعويم العملة الوطنية لفرض الإفقار الجماعي على المصريين. وهذا مع آلاف المصانع المتوقفة والمهملة، وعناد الدولة الممتنعة عن تشغيلها، مع يحولها لـ«خردة»، وتبقى أرضها لـ«صاحب النصيب»، واستمرار الاعتماد على الاستيراد؛ حرصا على ما يدخل خزائن التجار والمحتكرين؛ الممسكين بمفاتيحه، وهم أقرب للمافيا التي تمتص دم المواطن. وذلك يعوق السيسي عن الاستمرار في حكم مصر؛ معتمدا على أصوات الناخبين كما حدث في الفترة الأولى.

وتبدو في الأفق غيوم داكنة تنبئ عن إمكانية تزوير الانتخابات القادمة. فكما غاب البرنامج عن فترة الرئاسة الأولى، فالمتوقع ألا يتوفر ذلك عند الترشيح.. بجانب ترتيبات ومناورات جارية لإلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات، واستمرار التجاوزات والمخالفات الدستورية والقانونية التي يرتكبها رئيس مجلس النواب، وفرض بها تشريعات وقوانين تؤله الرئيس وتحصنه ضد المحاسبة والمساءلة، وتمكن من فرض الإذعان على السلطة القضائية، ومرر قانون منح رئيس الدولة حق تعيين وعزل رؤساء الهيئات القضائية، فيتدخل ويفرض من وما يريد. وكل المحاولات التي فشلت في الماضي لتمكين رئيس الدولة من ضرب استقلال القضاء نجح ذلك على يد علي عبد العال رئيس مجلس النواب.

اعيدت الدولة البوليسية التي أقامها حبيب العادلي، وجاء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية الحالي، سليل الإقطاع، فتفوق عليه. وقد نتمكن من الكتابة عنه بالتفصيل مستقبلا، وهو لا يقارن بأحمد جمال الدين الوزير الأسبق الذي رفض إطلاق النار لوقف زحف المتظاهرين الغاضبين نحو القصر الجمهوري (قصر الاتحادية) احتجاجا على الإعلان الدستوري الذي صدر في نوفمبر 2013، وأعيدت معها منظومة «الاستبداد والفساد والتبعية» كذلك، وطورت العلاقة مع صندوق النقد الدولي وحلف شمال الأطلسي. ومن المتوقع أن يكون فرض حالة الطوارئ فرصة لتغييب رقابة القضاء على الانتخابات القادمة، وترك أمرها لدولة بوليسية عائدة فتهندسها وتزورها!!.

 

المصدر: القدس العربي، 2017/04/15

 

عن henda hmili

شاهد أيضاً

هل يدفع إسلاميو المغرب ثمن تنازلات تشكيل الحكومة… أم تزيدهم قوة ؟

    يرى البعض أن حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي في المغرب انحنى بإرادته للعاصفة عبر ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *