الأحد , 30 أبريل 2017
الرئيسية / رأي / الربيع العربي بين المحروق والمهروس والإنتحاري

الربيع العربي بين المحروق والمهروس والإنتحاري

 

 

البوعزيزي مات حرقا لأن من حاول إطفاء النار المشتعلة في جسده أستعمل أنبوبة أطفاء فارغة! فأحترق جسده ليشعل معه تونس ويحرق ليبيا ــ حتى تكاد تصبح أثر بعد عين ــ فيما أصيبت مصر بجلطة دماغية كادت تشلها وهي التي أعتادت على النهوض من كل كبوة فيما اليمن وسوريا تشطيا بعيدا عن  كل منطق!

أما محسن فكري مات هرسا لأن محرك الهرس في  شاحنة القمامة في ذلك المساء  كان يعمل وفي حالة جيدة فلم يتألم فكري كثيرا ولقي وجه ربه بين أسماكه التي أراد بيعها وهي ممنوعة كما قالت السلطة!

اما المهدي زيو ابن بنغازي فرأء أن الأمر لا يستحق عناء تسويق السمك ولا متاعب بيع البصل فأختصر الطريق الي بوابة كتيبة الفضيل بوعمر لينهي حياته رفقة عدد من أسطوانات الغازــ الذي سيصيح لاحقا أكثر المواد ندرة في السوق بعد ندرة الحديث عن زيو نفسه!

الأول كان يبيع جزرا وربما بعض الطماطم والثاني كان يسوق سمكا وربما بعض القواقع البحرية ايضا. والثالث قرر بيع الدنيا بالآخرة ربما بوعد لقاء قريب مع الملائكة. الأول أتهمته السلطة بأنه يبيع دون ترخيص والثاني اتهمته بانه يبيع سمكا يٌمنع بيعه اي بدون ترخيص أيضا! أما الثالث فنسيته السلطة التي ساعد على ولادتها كما ستٌنسى هي لاحقا!

وفق مدارس فقه ” الربيع العربي” فأن هؤلاء الثلاثة كفروا لأنهم أنتحروا و وفق نفس المنهج فهم أيضا شهداء: الأولين شهيدين لأنهما ماتا دون قوتهما اما الثالث فشهادته متأتية كونه مات من اجل “الحرية”! أعانق ثلاثتهم  الحور العين أم الغلمان؟ أتراهم شهداء أم لا ؟ ذاك شأنا أخر لم يتضح بعد وفي أنتظار حل لغزه يمضي ربيعنا العربي دونما هوادة او توقف ليلحق بالثلاثة أخرين كل يوم وان أختلفت الوسائل.

حققت تونس في موت البوعزيزي ولم يقراء أحد نتائج التحقيق لأنها نٌشرت (هل نٌشرت فعلا ؟) بعد ان شوي البوعزيزي وأشتعلت تونس و أنجلطت مصر واحترقت ليبيا بينهما! فلم يكن أحد ليعبأ بقراءة تحقيق على الأغلب مزور ولا حقيقة فيه! ولم يحقق أحد في موت زيو واكتفى الجميع بأعتباره شأنا مقدسا وفوق مستوى التحقيق. فيما تحقق السلطات المغربية في موت محسن وعلى الأغلب أنها ستنشر نتائج التحقيق ــ النزيه جدا جدا ــ لأن المغرب لم يشتعل ولأن الدرس التونسي مازال ماثلا للعيان فيما الدرس الليبي يقض المضاجع ــ وأخيرا لأن النزاهة “فرض عين” كما يرى مولانا بن كيران الإسلاموي ــ المحيّر ــ رئيس الوزراء المغربي الذي جاء الي الرئاسة متعظا من كل الدروس! وحين يأتي موعد نشر التحقيق في موت فكري يكون قد نسيه الحاضرون فيما يتدكره الغائبون من الـ”محسنين” وهم في طريقهم لـ “يحرقوا” البحر بأتجاه أوربا أو ربما لنيل موتا اخر في قاع اليم ليصبحوا وجبة لأسماكا قد يكون بيعها ممنوع هي الاخرى ولن نعرف بأمرها الا بعد ان يصطادها “محسن” أخر ويحاول بيعها مكررا ذات الحكاية!

لا شك أن الشرطية التونسية فادية حمدي أساءات الي البوعزيزي بطريقة ما نتيجة الضغظ النفسي من سلطة أعلى تحسها ولا تدركها ولولاها لما أساءت اليه اذ ان رابط التعاسة الذي يجمعها معه أقوى من أي رابط لها مع السلطة! وكذلك حال بوشعيب سائق شاحنة “الأزبال على رأي أهل المغرب”  الذي لو لم توعز له سلطة أعلى ــ وان لم تتجسد له وان كان  يحس جبروتها ولا يعرف كنها لما أدار محرك شاحنته ليطحن محسن ــ لأن قواسما مشتركة كثيرة من التعاسة والحظ العاتر و “رقاد الريح على رأي الليبيين” تجعل بوشعيب أقرب الي فكري منه الي اي سلطة حتى وان كانت سلطة القانون! اما زيو فقد أختار بقرارا ذاتيا ــ وهو تحت نشوة ما ــ اذ يصعب معرفة أن كان حارسا في كتيبة الفضيل قد داس على قدمه ــ وبهذا طوي ملفه كما طوي ملف الحرية التي ربما مات من اجلها!

في المشهدين التونسي والمغربي يتجلى الجبروت الكامن في علاقة مختلة ومريضة بين المواطن والسلطة لدرجة بات الأول يكره الثانية معبرا عن كراهيته بأي وسيلة ممكنة ولو كانت بتحطيم عمود الكهرباء الذي يضئ له الطريق أو بكسر الحنفية العمومية التي يشرب منها أو بالتبول في الشارع الذي يسكن فيه! أنها العلاقة المتسمة بالشك والريبة دائما بين السلطة و المواطن في نظام أبوي لا يعير “العقد الأجتماعي” ــ مؤسس تلك العلاقة أصلا ــ اية أهمية. تلك العلاقة تأسست معطوبة على مبدأين اساسين: الخوف الذي يؤدي الي الخضوع والشك الذي يؤدي الي الإرتياب بين الحكومة و المواطن الذي يعتقد أن السلطة من الإنحطاط والدناوة بما يكفي لتٌقدم على اي فعل دونما مراعاة لأية قانون ــ هي من سنه ــ ومهما كان جائرا وفي تجاوز صارخ لأهم مبادئ العقد الإجتماعي الذي دستر وقنن العلاقة بين الإثنين!

اما في المشهد الليبي فعلاوة على الأعطاب التي أصابت “العقد الأجتماعي” نجد أن غياب السلطة وليس طغيانها هو الذي ربما يسر لـ”زيو” ما اراد وقد يكون شيخا قد رآه في المنام يعانق ما بداء وكانه الملائكة وهي تهتف بموت الطغاة!

هذه العلاقة المسمومة هي التي سادت وما زالت في تعاطي السلطة مع مواطنيها في عالمنا العربي ومهما كانت أيدلوجية السلطة ( قوميون، ملكيون، عسكريون، أسلاميون) مع أستثناءات قليلة هنا وهناك. وتسمسم هذه العلاقة هو الذي جعل اي محاولة للتغيير صعبة وغير سلسة حتى في الدول التي توصف بأنها ديمقراطية ــ لبنان مثلا!

وبعد “الربيع العربي” أنفلت زمام العلاقة وتحرر من كل قيد أو مرجعية أو أيدلوجية وتحول الي علاقة أزداد فيها الخوف من سلطة متغولة ويصعب فهمها (حالة ليبيا) أو فاسدة تفتفد لأدنى درجات المقدرة (حالة تونس) او مرتبكة أقرب الي العنف (حالة مصر) أحيانا أخرى وسادت المشهد نخبا جديدا تلتقي أغلبها في أفلاسها الفكري وتجمعها قواسما مشتركة كثيرة ليس من بينها إعادة بعث عقدا أجتماعيا جديدا ليصلح بين السلطة و المواطنين في دولة للمواطنة وليست للولاءات. دولة يصبح فيها التحول ثوريا أو سلميا هو اعادة بناء وتصحيح لما هو خطأ.

الي أن يحدث ذلك سنمضي ليكتب التاريخ وان كانت كتابته مقلوبة قد يستعصي علينا فهمها لاحقا.

مصطفى الفيتوري

ليبيا 24، 2017/03/16

عن henda hmili

شاهد أيضاً

هل يدفع إسلاميو المغرب ثمن تنازلات تشكيل الحكومة… أم تزيدهم قوة ؟

    يرى البعض أن حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي في المغرب انحنى بإرادته للعاصفة عبر ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *