الأحد , 25 يونيو 2017
الرئيسية / المغرب / مدينة بنيت على وادي مرتيل: تمودة المغربية تنبعث من تحت الأنقاض

مدينة بنيت على وادي مرتيل: تمودة المغربية تنبعث من تحت الأنقاض

 

تعتبر تمودة من أهم المواقع الأثرية في المغرب. وبفضل موقعها الاستراتيجي على إحدى ضفاف البحر الأبيض المتوسط (بالقرب من تطوان) فإن هذه المدينة الأثرية اكتست أهمية قصوى، من حيث كونها شهدت نشاطا بشريا واقتصاديا وحضاريا خلال عصر ما قبل الإسلام، وبالضبط منذ القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.

ويعد هذا الموقع، الذي يتميز بغنى مناظره وبيئته، عاملا من العوامل الرئيسية في عملية التنمية المستدامة لإقليم تطوان. ولقد كان تأهيل تمودة من طرف وزارة الثقافة المغربية مشروعا نموذجيا على صعيد البلاد ككل، حيث أشرفت مجموعة من الفرق متعددة الاختصاصات ـ من ضفتي مضيق جبل طارق ـ على برامج البحث والحفاظ على آثار الموقع وحمايتها ونشر نتائج التنقيبات التي تجري فيها. ومن بين ثمار هذا الجهد إصدار كتيّب/ دليل رسمي للموقع، يقدم تفاصيل وافية عنه.

جذور فينيقية قديمة:

أصل اسم تمودة القديمة يعني «بِرْكَة» أو «مستنقع» فيما يحيل اسم مدينة تطوان التي تأسست خلال العصر الوسيط إلى كلمة أمازيغية تعني «عيون الماء الوفيرة». ويحتمل أن يكون تمودة أطلق في الأصل على النهر والأراضي المحيطة به. وترجح الأبحاث أن تكون لهذه المدينة الأثرية أصول فينيقية قديمة جدا، إذا ما أُخذت بعين الاعتبار عملية استيطان البحارة الذين أتوا من مدن المشرق الأخرى إلى أقصى غرب المتوسط، وذلك منذ القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. ولقد ساهم تأسيس عدة مستعمرات كـ «غدير» (قادس) و»ليكسوس» (العرائش) في عملية التوغل الفينيقي داخل الأراضي، وهو تأثير أتى ببعض العناصر الرئيسية التي ساهمت في تطور المجتمع فيما بعد كالكتابة والتمدن. وأدى اتصال الفينيقيين بالمجتمعات المحلية إلى تطور بعض أشكال السكن من قرى صغيرة إلى مدن حقيقية، وعرف الشاطئ المتوسطي بدوره نشاطا استيطانيا ملحوظا، كما تدل على ذلك المحطات التجارية القديمة التي عُثر على آثارها في مدن سبتة ومليلية والناظور.

ويبدو أن وادي مرتيل لم يكن بمعزل عن النشاط الاستيطاني الفينيقي، كما يدل على ذلك وجود محطة هامة في مصبه، مما يؤكد أهمية هذا المجرى النهري كمنفذ للاتجار مع سكان المناطق الداخلية للمغرب. فعلى ضفاف هذا الوادي، يوجد موقع «كيتان» الذي جرى فيه التنقيب من لدن فريق من الأكيولوجيين المغاربة والاسبان، مما أثبت التغلغل الفينيقي في البلاد.

ويؤكد الباحثون المختصون أن وجود رابية فريدة بمحاذاة وادي مرتيل مكّن سكان تمودة من مراقبة المنفذ الذي يؤدي إلى الأراضي الخصبة الداخلية، كما أتاح لهم المبادلات التجارية مع الساحل ومن حماية أنفسهم بسهولة. وبذلك، يلاحظ أن تمودة انتصبت في موقع جغرافي واستراتيجي مهم وملائم لتطور حاضرة كبرى. وترجح المعطيات الأثرية أن يكون تأسيس تمودة تم في زمن ما من القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد، وهو تأسيس ما زالت المعلومات بخصوصه نادرة، غير أن ذلك لا يمنع من التأكيد على وجود مدينة «هيلنيستية» كبيرة، أعيد تأسيسها في أواخر القرن الثالث أو مطلع القرن الثاني قبل الميلاد. وكانت تمتد على جزء كبير من السهل، حيث بلغت مساحتها عدة هكتارات.

وتعكس مدينة تمودة هندسة بناء ميزت العصر «الهيلنيستي» في حوض البحر الأبيض المتوسط، إذ اختُطّت على شكل رقعة شطرنج، بشوارعها المتعامدة في ما بينها، تتوسطها ساحة مركزية مستطيلة الشكل، على طراز «الأغورا» (أي الساحة المركزية العامة) وتحيط بها عدة كتل بيوت أو أحياء سكنية تفصل بينها أزقة. وفي هذه الأحياء، جرى الكشف عن دور بنياتها غير واضحة المعالم، تشتمل على عدة غرف مخصصة لوظائف منزلية شتى، وكذا على دكاكين أو محترفات صغيرة. ويدلّ اشتمال بعض الدور على مواد بناء ثمينة (الأساطين والأعمدة مربعة الشكل) وقطع الأثاث التي كشفت عها الحفريات، على أن الأمر يتعلق بمدينة كانت مزدهرة ومتصلة بالطرق البحرية التي كانت تربط بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط بعضها ببعض ثقافيا واقتصاديا خلال تلك العصور الغابرة.

نشاط اقتصادي متنوع:

تمودة من بين المدن القليلة في هذه الجهة التي حظيت بامتياز سك النقود، ويبدو أنها عرضت للتداول نقودا برونزية، كانت لها قدرة شرائية ضعيفة خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد. وتمثل رسوم ورموز أوجه نقود تمودة بصفة عامة، صورة رجل ملتح، وإن كان هذا الوجه يبدو في بعض القطع النقدية مغطى بخوذة، ولقد اختلف علماء المسكوكات في ما بينهم بخصوص الملك الذي تمثله تلك النقود، فبعضهم يعتقد أنه «بوغود» والبعض الآخر يعتقد أنه «بوخوس» والواقع أن هذه النقود تتطلب دراسة عميقة لطرق تمثيل هؤلاء الأشخاص، مع الرجوع إلى المعلومات التاريخية والأركيولوجية التي يتوفر عليها الباحثون بخصوص هذه المدينة.

ويفسر الاهتمام بالموارد الزراعية للمناطق الداخلية ما تعكسه ظهور هذه النقود من رسوم لسنابل القمح أو عناقيد العنب، وهو ما يرمز إلى ثروة أخرى من ثرواتها، وقد أضيفت إلى الرسوم النباتية رموز فلكية (كُرَيّة ونجم) لها علاقة ـ على الأرجح ـ بالأدوار الطبيعية لفصول السنة. وبالإضافة إلى ذلك، تبدو في وسط النقود أشكال تعكس تعرجات، تُؤَوَّل عادة بتعاريج وادي مرتيل الذي بنيت المدينة على إحدى ضفافه، ونقشت على تلك القطع النقدية أسماء مختلفة كتبت بحروف بونيقية.

اعتمدت الحياة في تمودة البويقية على مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي قامت على الانتفاع من الموارد الطبيعية المتوفرة في محيط المدينة، فقد استغل سكانها البر والبحر بشكل مكثف، الشيء الذي جعل من صيد السمك والمحار وإنتاج الأرجوان وتمليح الأسماك والزراعة العماد الأساسي اقتصاد المدينة. وبهذا الخصوص، جرى العثور على العديد من مثقلات شباك الصيد والصنانير ومصانع تمليح السمك في نواحي المدينة. كما استغلت الأراضي المحيطة لزراعة الحبوب، مثلما تثبت ذلك عدة طواحين عثر عليها بالموقع، وكذا رسوم سنابل القمح التي نقشت على أظهر القطع النقدية التي سُكّت في المدينة. وعلى بعض هذه القطع النقدية عوضت عناقيد العنب سنابل القمح، مما يمكن الباحثين من معطى غير مباشر بخصوص نشاط آخر من بين النشاطات الاقتصادية للمدينة: زراعة الكروم وإنتاج الخمر.

ويقدم الباحثون أدلة على وجود صناعة تعدين الحديد في المدينة، كما تثبت ذلك مختلف الأدوات التي كشفت عنها الحفريات (سكاكين وفؤوس ومسامير وآلات زراعية). ولقد مكّن هذا النشاط التعديني سكان تمودة ونواحيها من ممارسة الزراعة واستغلال السهل الخصب الذي أسست المدينة فيه. وتم العثور ـ خلال حفريات 2009 ـ على عدة قطع حديدية ذات أشكال مسطحة محدبة ترجع إلى القرن الثاني الميلادي، وهي تشكل الشوائب المميزة لمصاهرة الحديد كما تدل على ذلك نتائج تحليل عينات منها. ويبدو أن كور الحداد كان يعمل بشكل دائم في المعسكر الروماني، حيث كان الصانع يجهز الجنود ويصلح أسلحتهم، وكانت مناجم الرصاص في نواحي تمودة تحتوي على رصاص مشوب بالفضة استغل خاصة خلال العصر الروماني، مثلما تشهد على ذلك القناديل التي اكتشفت بداخلها. ولقد كان المعدن الذي يُستخرج من هذه المناجم يجمع في المدينة قبل أن يصدر عبر النهر ثم البحر إلى طنجة، ومنها إلى باقي المدن.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن تمودة شهدت أنشطة أخرى مختلفة، كصناعة النسيج التي تثبت وجودها بشكل غير مباشر مثقلات محترفات الحياكة التي عثر عليها خلال بعض الحفريات. وعلاوة على ذلك، كانت تمودة تستورد منتجات مصنوعة في مناطق أخرى من حوض البحر الأبيض المتوسط عبر وادي مرتيل وشاطئ المضيق كطريقين للتجارة والمبادلات.

حصن دفاعي:

من جانب آخر، كانت تمودة بمثابة قلعة عسكرية ولاسيما إبان الوجود الروماني في المنطقة، وكشفت الحفريات بهذا الخصوص عن وجود حصن في تلك المدينة الأثرية. وكان تصميم هذا النوع من المباني بسيطا، ويستجيب لضروريات الجيش، وكانت عادة مستطيلة الشكل، وزواياها نصف دائرية، قبل أن تضاف إليه في أواخر القرن الثالث مجموعة من الأبراج نصف الدائرية، خارج الأركان. وكان الدخول إلى الحصن يتم عبر أربعة أبواب، يطل كل باب منها على جهة من الجهات الأربع. وكان جهاز الحصن الدفاعي يتكون أيضا من مجموعة أخرى من الأبراج نصف الدائرية أيضا، بحيث بلغ عددها الإجمالي عشرين برجا. وقد استمر الحصن، بمميزاته هذه، إلى غاية القرن الخامس الميلادي وكانت روما قد دأبت على بناء هذه الحصون حتى تبسط سيطرتها على الأراضي المحيطة بها.

ويكتسي حصن تمودة شكلا شبه مربع، تبلغ مساحته 9000 م2، ويتراوح طول ضلعيه ما بين 98 و99م بالنسبة للضلع الممتد من الشمال إلى الجنوب، و91 و92م بالنسبة للضلع الممتد من الشرق إلى الغرب. وكان اتجاه هذه المباني الدفاعية عادة ما يستجيب للمتطلبات الاستراتيجية، وقد توجد في محيط هذه المعسكرات سدود من التراب المدكوك، وخنادق وحواجز تساعد على الدفاع عنها، وهي أشكال لم يتم العثور عليها بعد في محيط تمودة. وفي عدة حالات، أصبحت المعسكرات عبارة عن مدن، وهو ما لم بالنسبة لتمودة.

والمعسكر الروماني المشيد فوق المدينة مربع الشكل تقريبا، وتتكون الأجهزة الدفاعية فيه من الأبواب والأسوار والأبراج. وبخصوص أبوابه فهي أربعة، وتطل كل واحدة منها على الجهات الأصلية. ومع مرور الزمن، عرفت هذه الأبواب تغييرات شتى، وذلك منذ بناء المعسكر على امتداد النصف الأول من القرن الأول إلى غاية إخلائه بصفة نهائية خلال العصر الإمبراطوري الأسفل، بحيث وصلت وهي محصنة بأبراج داخلية وخارجية.

ويعتبر الباب الجنوبي أهم هذه الأبواب بالنظر إلى الحالة التي وصل فيها وكذا بالنسبة لضخامته. وكان الباب المذكور يتكون من ثلاث فتحات، سدت اثنان منها بسبب بناء نصفي البرجين الخارجيين في زمن لاحق.

وفي ما يخص الأسوار، فلقد بنيت بشكل متين جدا، ويبلغ عرضها بالنسبة لكل محيط المعسكر 1.10 متر تقريبا. وتكمل الأبراج هذا النظام الدفاعي، ولقد تم بناؤها في أوقات مختلفة من حياة الحصن العسكرية، وأشكالها مختلفة، فيما بين أنصاف الأبراج الخارجية والأبراج الداخلية مربعة الشكل. وتقع في مواضع استراتيجية لحماية أبواب المعسكر وزواياه الخ. ولقد أدت كل هذه التغييرات إلى تطور صورة شكل المعسكر على مر العصور.

وإلى حد اليوم، لم يتم العثور ـ بعد ـ على عناصر أخرى تتعلق بالتقنيات العسكرية الخاصة بالدفاع والهجوم، ولكن هذا لا يعني أنها لم توجد في معسكر تمودة. وكان اتصال الحصن بالمعسكرات الأخرى التي تراقب الحدود يتم عبر أبراج مراقبة صغرى توجد في المنطقة، لا يتوفر الباحثون بخصوصها بعد على معطيات أركيولوجية، وقد تطابق مواضع هذه الأبراج المواضع التي وُجدت فوقها المعسكرات الإسبانية في عهد استعمار المغرب.

طاهر الطويل

القدس العربي، العدد 8775، 26 مارس 2017، ص34.

عن henda hmili

شاهد أيضاً

فرنسا تدعم “الإستراتيجية الوطنية للتعليم” في المغرب بـــ 82 مليار سنتيم

    بحضور كل من السفير الفرنسي في الرباط، ووزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *