الأربعاء , 28 يونيو 2017
الرئيسية / تحاليل / في ذكرى تأسيس جامعة العرب: من الغياب…إلى الغيبوبة!

في ذكرى تأسيس جامعة العرب: من الغياب…إلى الغيبوبة!

 

فيما تستعدّ الوفود العربية لحزم حقائبها و«الاقلاع» باتجاه العاصمة الأردنية لحضور القمّة العربية المرتقبة الأسبوع القادم طوت الجامعة العربية يوم الخميس 22 مارس 2017 عامها الثاني والسبعين وسط حالة من العجز والغياب والغيبوبة التي يتّسم بها أداء هذا الهيكل الذي وقع صريعا في الهوّة العميقة بين الضغوط الداخلية والتحوّلات الجيوسياسية والثقافية والاقتصادية الجديدة التي فرضت نفسها بقوّة على الساحة العربية في لحظة تاريخية حرجة ومنعطف مصيري يحتدم فيه الصراع ويتّخذ أشكالا غير مسبوقة تخاض على شاكلة حروب بالوكالة عن الاحتلال الصهيوني الذي بات يكتفي بمراقبة الأحداث وحصد ثمارها… فهل انتهت الجامعة العربية فعلا وأصبحت خارج حركة الزمن والتاريخ؟. وهل أن مبرّرات وجودها قد انتفت بعد أن حكمت على دورها بالبقاء خارج دائرة الفعل والتأثير وداخل «غرفة» الإنعاش؟.. أم أن وجودها كـ«رافعة» للنظام العربي، على هناتها وعلاّتها، أفضل من لا شيء من أجل رعاية ما يعرف بالأمّة العربية في الأدبيات القومية التي افترضت أن العرب هم أمّة واحدة؟

يكاد سيل الأسئلة لا يتوقّف لدى كل من يحاول «فحص» واقع الجامعة العربية… ولعلّ مراجعة عميقة لأدائها ودورها منذ نشأتها إلى اليوم تفيد بأن خللا كبيرا قد أصاب الإطار المؤسسي للنظام العربي الراهن وأن عطبا خطيرا قد عطّل وظائفه التي كان من المفترض أن يضطلع بها في مرحلة تاريخية نحن أحوج فيها ما يكون إلى التكامل والتضامن ولو في حدوده الدنيا التي تكفل استنهاض الشعور الذي يجمعنا حول قضايانا المصيرية ويبدّد شبح التشرذم والتناحر الذي بات يعصف بالأقطار العربية ويهدّد الوجود العربي..
وتكفي الاشارة هنا فقط إلى قرارين كانا سيحولان دون الوصول إلى هذه المرحلة الحرجة أو على الأقل الحد من أخطارها لو صدقت النوايا ووضعت مصالح الشعوب والأوطان فوق مصالح الأنظمة..

ونعني بذلك أساسا معاهدة الدفاع العربي المشترك التي ستدخل في أفريل القادم عامها الـ 67 وميثاق العمل الاقتصادي القومي العربي الذي مضى عليه 37 عاما دون أن يجدا طريقهما للتفعيل والتنفيذ رغم السقوط الهائل المتواصل اليوم والهرولة المتسارعة نحو التشظي الذي بدل ان تكون الجامعة العربية «جدار الصّد الأول» في مواجهته وفق ما يمليه عليها ميثاقها ونظامها الداخلي ودورها وضميرها تحوّلت للمفارقة إلى أحد أكبر «معاول» هذا التفكّك والانقسام.. بعد أن ارتضت أن تكون أداة مباشرة للعبث بأزمات المنطقة والتنسيق مع قوى إقليمية ودولية معروفة لتدويل القضايا العربية وبعد أن تورّطت في استهداف سيادة بعض الدول واصطفّت إلى جانب القوى المعادية لها واستدعت مختلف أشكال التدخّل الخارجي ولاشك ان انتهاك ميثاق الجامعة العربية وضرب دورها الاستراتيجي في الحفاظ على كيان دُولها واستقلالها ضدّ أي عدوان خارجي أو في تحقيق وحدة العالم العربي في المدى البعيد كان جليّا في القرار الذي اتخذته الجامعة بتجميد عضوية سوريا وطردها من مقعدها.. وهو قرار شكّل في الحقيقة تحوّلا خطيرا في فكرة التضامن العربي وانتهاكا أشدّ خطورة لأديبات «العمل العربي المشترك» و«الأمن القومي العربي».

إن تعاطي الجامعة العربية مع الأزمة السورية والدور الخطير الذي لعبته في «إحباط» خيارات الحلّ السياسي لهذه الأزمة وتخريب المبادرات والمساعي الرامية إلى إطفاء هذا الحريق أطلقا «رصاصة الرحمة» على الجامعة التي لم تعد تحمل من العروبة سوى الاسم خصوصا بعد أن ارتضت أن تكون رهينة لسياسات دول خليجية ومطيّة لأجندات طائفية تعمل على استمرار حالة الشرذمة في المنطقة وتحويل دولها إلى دويلات تعمل تحت إمرة دول وقوى أجنبية. يقول «كريس دويل» مدير مجلس التفاهم البريطاني العربي في تقييمه لأداء الجامعة العربية «إن الكثيرين يعتقدون أن جامعة الدول العربية لا علاقة لها بالواقع وأنها تعكس فقط أهواء الحكام وليس آراء الشعوب وأنها لا تهدف إلا للحفاظ على أوضاع ما بعد الاستعمار فحتى القادة العرب لا يعبؤون بها في الغالب»… وهذا الموقف صحيح في حقيقة الأمر لكنه يتناسى معطى آخر أهم وهو أن هذه الجامعة على ما هي عليه اليوم من وهن وهوان لم تعد فقط تعكس أهواء الشعوب أو تروم الحفاظ على أوضاع ما بعد الاستعمار بل إنها أصبحت عبئا على الشعوب نفسها وصارت أحد عناوين الاستعمار نفسه بأشكاله وأنواعه المختلفة. من الواضح أن ضعف الجامعة العربية من ضعف الأنظمة وأن ضعف الأنظمة من ضعف النُخب السياسية والثقافية والفكرية… فهذه العناصر لا شك أنها «مشتبكة» ومتشابكة وأنها تترابط عضويا لكن حين تعجز هذه الأطراف عن مسايرة الشعوب وعن فهم حركتها ونبضها يحصل التضارب والتناقض في الأهداف الحقيقية… وتضيع البوصلة والقضية…

ويقينا أن الجامعة العربية «ضاعت»… وأضاعت معها جلّ القضايا الوطنية… وبدل أن تعمل على إيجاد مخرج لهذه القضايا أضافت إليها قضايا أخرى بفعل «شيء» من قصورها…و«أشياء» من تقصيرها وسلوكها السياسي الذي حكم عليها بالفشل… وأصاب نظامها بالشلل…
والنظام الداخلي للجامعة العربية لا شكّ أنه بات يستدعي أكثر من أي وقت مضى التعديل والتفعيل باتّجاه جعله أكثر مواكبة ومسايرة لمتطلبات النظام الاقليمي العربي والتحوّلات الراهنة فضلا عن تحديات النظام الدولي خاصة ان عديد الدراسات التي أجريت حول أداء الجامعة العربية ومستقبلها أكّدت أن الخلل يعود بالأساس إلى ميثاقها وسياسات البلدان الأعضاء… لكن إصلاح النظام الداخلي على أهميته وضرورته ليس في النهاية سوى خطوة أولى مفروضة في عملية الإصلاح المنشودة للجامعة لن تكون ذات معنى وجدوى إذا لم «ترفد» بإرادة سياسية عربية حقيقة وبإجراءات جريئة في التعاطي مع التغيرات السياسية الزاحفة على أقطارنا التي ما فتئت تتهاوى كـ«أحجار الدومينو».. إجراءات تروم الفعل لا الانفعال… والتأثير لا التأثّر والبكاء على الأطلال… عسى أن تكون القمّة العربية المرتقبة في العاصمة الأردنية عمّان مناسبة للمراجعة… وفرصة لوقف مسلسل السقوط والتراجع… «حتى لا يأتي اليوم الذي قد نجد فيه جميع المقاعد في اجتماعات القمّة العربية شاغرة» مثلما ذهب إلى ذلك الباحث الأمريكي المعروف مايكل بروننغ» في تقرير حديث له حول مستقبل الجامعة العربية…

الجامعة العربية في سطور

  •  تأسست في 22 مارس 1945
  • هدفها توثيق الصلات بين الدول الأعضاء وتنسيق خططها السياسية.
  •  تعتبر (القاهرة) عاصمة مصر العربية المقرّ الدائم لها.

 تولىّ أمانتها العامة كل من :

-عبد الرحمان عزام

– محمد عبد الخالق حسونة

– محمود رياض

– الشاذلي القليبي

– أحمد عصمت عبد المجيد

– عمرو موسى

– نبيل العربي

– أحمد أبو الغيط 2016 الى الآن.

النوري الصلّ

المصدر: الشروق، 2017/03/23

عن henda hmili

شاهد أيضاً

مسارات ثنائية: إجراءات الحكومة التونسية لمواجهة الإرهاب

      فرضت مخاطرُ وتهديدات التنظيمات الإرهابية على الأمن القومي التونسي، تفكيرَ حكومة “يوسف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *