الأحد , 30 أبريل 2017
الرئيسية / دراسات / أولبرايت/ هادلي: استراتيجية جديدة أم إخراج جديد؟

أولبرايت/ هادلي: استراتيجية جديدة أم إخراج جديد؟

تمهيد:

نشرت “مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط” التابعة لـلمجلس الأطلنطي Atlantic Council في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، تقريرها النهائي بعنوان “استراتيجية جديدة للشرق الأوسط”. مجموعة العمل برئاسة مادلين أولبرايت (وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة، من الحزب الديمقراطي) وستيفين هادلي (مستشار الأمن القومي السابق، من الحزب الجمهوري)، ونشر المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ملخصا له باللغة العربية.

ويحتوي التقرير على توصيف للوضع في الشرق الأوسط والمشاكل التي تواجه المنطقة، كما يقترح خطوات وإجراءات عملية وفق استراتيجية معينة لإنجاز عملية تغيير حقيقي في هذه المنطقة، من منظور ينبع أساسا من المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، كما يذكر التقرير، لمواجهة الإرهاب والنزاعات والحروب الأهلية المنتشرة في المنطقة والقضاء على أسبابها، ومن ثم المشاركة في تنمية المنطقة بما يحقق مصالح الجميع.

وقد اُستقبل التقرير، في منطقة الشرق الأوسط، وكأنه بالفعل يقدم الاستراتيجية الأمريكية وشيكة التنفيذ في المنطقة، إلا أنه، وبالرغم من مكانة رئيسي مجموعة العمل ومركز التفكير الصادر عنه التقرير، يجب الانتباه الى أن التقرير يظل أحد الأطروحات المهمة التي يمكن أن توضع أمام صانع القرار الأمريكي، في ظل تولي رئيس جديد للمسئولية، ضمن خيارات أخرى قد تضعها مجموعات عمل أخرى، ويبقى في النهاية التوجه الأمريكي نحو منطقتنا هو مسئولية الفريق الرئاسي الجديد، وبالتالي يجب دراسة هذه المقترحات في هذا الإطار فحسب.

أولاً: ملاحظات حول منهجية إعداد الاستراتيجية

يقول رئيسا المجموعة في رسالتهما الموجودة في التقرير: “إن هذا التقرير ليس حول وضع استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، حتى لو كانت الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية والقدرة على إصلاح العلل التي تعاني منها المنطقة. فبدلاً من ذلك، يعد التقرير بمثابة محاولة لوضع استراتيجية للمنطقة، والتي تكون مستوحاة إلى حد كبير من المنطقة نفسها، ويجب أن تتولى حكومات وشعوب المنطقة زمام المبادرة في تنفيذ هذه الاستراتيجية إذا أريد لها النجاح. ولكن الولايات المتحدة وأصحاب المصالح الخارجيين يمكنهم المساعدة، ونحن نقدم اقتراحات عن كيفية تقديم أفضل دعم وتمكينهم من تسهيل جهودهم. ونحن نعتقد أن القيام بذلك يعد بمثابة مصلحة كبيرة للأمن القومي الأمريكي”.

والنقطة الأولى التي نستطيع التقاطها من هذا الكلام هو أن هذه محاولة لوضع استراتيجية مصممة بشكل يفيد المنطقة، من وجهة نظر أمريكية وفي إطار المصالح الأمريكية، وأن اللاعبين الرئيسيين في المنطقة سيكون دورهم فقط هو تنفيذ هذه الاستراتيجية، بمساعدة ودعم الولايات المتحدة، وباستخدام الآليات المقترحة في الاستراتيجية، وبصرف النظر عما تتضمنه هذه الاستراتيجية من سلبيات أو إيجابيات.

وحتى يضمن واضعوا الاستراتيجية تضمين وجهة نظر أهل المنطقة والخبراء البارزين في شئونها، فإنه تم اتباع المنهجية التالية كما تذكر رسالة الباحثين الرئيسيين: “لقد أدركنا سريعاً أن التركيز الحصري على القضايا الأمنية لا يكفي، بينما ترتبط التحديات الأمنية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية. لذلك قمنا بتنظيم خمس مجموعات عمل متخصصة، والتي تتألف من خبراء بارعين من المنطقة وخارجها، للنظر في القضايا العامة التي نراها أساسية لشرق أوسط أكثر سلاماً وازدهاراً، وهذه المجموعات هي:

  • الأمن والنظام العام.
  • الدين والهوية، ومكافحة التطرف العنيف.
  • إعادة بناء المجتمعات: اللاجئين والتعافي والمصالحة.
  • الحكم وعلاقة الدولة بالمجتمع.
  • التعافي والانتعاش الاقتصادي.”

ويمضي التقرير: “وقد نشرت كل مجموعة من مجموعات العمل الفرعية هذه، خلال عام 2016، ورقة تبين الاستنتاجات والتوصيات كما يراها مقرر مجموعة العمل. ويتأثر هذا التقرير، ولكن ليس على سبيل الحصر، بهذه الأوراق التي أعدها فريق العمل، وبسبب إيماننا القوي بأهمية الاستماع إلى الآراء من المنطقة، تأكدنا من تلقينا لمدخلات منظمة من مجموعة واسعة من الافراد في الشرق الأوسط. ومن وراء مجموعات العمل الخاصة بنا، كان لدينا فريق من كبار المستشارين القادمين من المنطقة ومن أوروبا والولايات المتحدة، وقد تشاورنا بشكل دوري مع سفراء المنطقة المقيمين في واشنطن، وكذلك مع حلفائنا الرئيسيين من الأوروبيين ومع أصدقائنا”.

و يضيف: “وقد شرعنا أيضاً في رحلة لتقصي الحقائق إلى المنطقة عام 2016، والتي تضمنت زيارات إلى كل من تونس ومصر والأردن والسعودية، بالإضافة إلى زيارات لدول الإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل والضفة الغربية والتي قام بها ستيف هادلي بمفرده، ثم عاد ستيف مرة أخرى إلى الشرق الأوسط في نهاية سبتمبر. وقد التقينا ليس فقط مع رؤساء الدول والوزراء وغيرهم من المسؤولين، ولكن أيضاً مع ممثلين من قطاع الأعمال والجماعات المدنية المحلية والطلاب والشباب، لضمان الاستماع إلى مجموعة واسعة من وجهات النظر”.

وقد تكون هذه المنهجية ملائمة بالفعل إذا تم توسيع دائرة الاستشارة لتشمل أوسع طيف ممكن من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، ممن يمثلون التوجهات الفكرية والسياسية المختلفة السائدة فيها، حتى تخرج الاستراتيجية، بحق، معبرة عن أكبر قدر من الأطياف بالمنطقة بما يسمح بالتبني المستقبلي لها، كما يطمح واضعو التقرير، بأكبر قدر ممكن.إلا أنه بمراجعة قائمة الخبراء العرب الذين تم مقابلتهم نلاحظ أولا أن المشاركة العربية ضعيفة جدا، كما أننا يمكن أن نذكر نماذج من العدد القليل المستطلع رأيه من الخبراء العرب، فنجد الأمير تركي الفيصل، السيد رفيق بزري (الرئيس التنفيذي لمؤسسات الحريري)، السفيرة مشيرة خطاب (المرشحة من قبل النظام المصري الحالي كمديرة لليونسكو)، المهندس نجيب ساويرس (رجل الأعمال المصري القبطي المعروف)، د. موفق الربيع (عضو البرلمان العراقي السابق)، د. عبد اللطيف الحمد (المدير العام للصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية)، د. عبد المنعم سعيد (رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم)، وعدد قليل آخر. وبمجرد النظر لهذه القائمة، من الواضح أنه لا يمكن اعتبارها مجموعة ممثلة لتوجهات وتطلعات سكان المنطقة على اتساعها، على أقل تفدير.

إلا أننا بشكل عام في دراستنا للاستراتيجية المقترحه، حاولنا النظر إليها بشكل موضوعي بصرف النظر عن المشاركين في إعدادها، لالقاء الضوء على ما قد تحمله من إيجابيات أو سلبيات.

ثانياً: المصالح الأمريكية الدافعة لتطوير الاستراتيجية

يعرف التقرير مجموعة من المصالح الحيوية الأمريكية، والتي تؤثر على كل من حياة ومعيشة الأمريكيين وأسرهم على النحو التالي:

  • الحفاظ على أمن أمريكا والأمريكيين من الإرهاب.
  • حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية.
  • تمكين الأصدقاء والحلفاء من التعامل مع التحديات المشتركة (هذه ليست مسئولية أمريكا بمفردها).
  • تمكين العمليات العسكرية الأمريكية حول العالم.
  • منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
  • تجنب الكوارث الإنسانية المزعزعة للاستقرار.

ثالثاً: المبادئ الحاكمة للاستراتيجية الجديدة

يضع التقرير، بعد استعراضه الصورة الحالية المظلمة لمنطقة الشرق الأوسط، أمنياً وتنموياً، عددا من المبادئ التي تم الاسترشاد بها في صياغة الاستراتيجية، وهذه المبادئ هي:

  • لن يتحقق الاستقرار في المنطقة في إطار المنظومة الإقليمية القائمة التي ذهبت ولن تعود.
  • يجب أن تضطلع المنطقة (وليس القوى الخارجية) بالمسئولية الرئيسية لتعريف النظام الاقليمي الجديد.
  • سياسة الانعزال عن المنطقة ليس حلا عمليا من الغرب.
  • من الممكن للقوى الخارجية أن تكون معاونة، وهذا من مصلحتها أيضا.
  • يجب أن تقوم القوى الخارجية بأدوار مختلفة عما مضى.
  • لا يمكن لأية استراتيجية للمنطقة أن تركز فقط على محاربة الارهاب.
  • لا يمكن اعتبار الصراعات العرقية والطائفية في المنطقة قدرا لا يمكن الفكاك منه.
  • لا يمكن أن يتحقق الاستقرار إذا لم تتوقف دول المنطقة عن التدخل في شئون الدول المجاورة.
  • الحفاظ على الدول القائمة موحدة داخل حدودها أمر جوهري، ولكن تمكين الحكم المحلي أيضا شديد الأهمية لكي تستطيع الدول البقاء في إطار حدودها القائمة حاليا.
  • أن الأوان للرهان على شعوب المنطقة، وليس فقط الدول.
  • يجب أن تخضع الحكومات للمساءلة من قبل شعوبها بالكامل، على نفس القدر من المساواة.
  • يحتاج الشرق الأوسط إلى نموذج اقتصادي جديد.
  • يحتاج الشرق الأوسط إلى منظومته الأمنية الخاصه حتى يمكنه التقدم للأمام.
  • منهج التغيير ينبغي أن يتحلى بالصبر والتواضع.

ويذكر الملخص المعروض للوثيقة باللغة العربية على موقع المجلس الأطلنطي: “ما نقترحه هو النهج الاستراتيجي الجديد لكيفية ارتباط العالم بالشرق الأوسط، فمنذ عهد الاستعمار الأوروبي، لعبت القوى الخارجية دوراً كبيراً في تشكيل الأحداث في المنطقة، إلا أن هذا النهج لم يعد صالحاً في عصر الدول ذات السيادة والمواطنين الإيجابيين”.

ثم يواصل: “وبذلك يتطلب نهج استراتيجي جديد والذي يغير بدوره النهج القديم تماماً: تحتاج المنطقة إلى تحمل مسؤولية رسم مستقبلها، وذلك على الرغم من أنها لا تزال بحاجة إلى مساعدة من الأطراف الخارجية، للتغلب على العديد من التحديات التي تواجهها. كما تحتاج المنطقة من القوى الخارجية أن تلعب دوراً مختلفاً تماماً عن ذي قبل، وهو ليس بدور الاستعماري المتسيد، ولا الغازي ولا الشرطي، ولكنه دور المحفز والميسر في مساعدة شعوب المنطقة على بناء نظام إقليمي جديد”.

وبالنظر إلى المبادئ العامة المذكورة، وإلى هذه الصياغات الإيجابية التي تتطلع إليها شعوب المنطقة، فقد تلقى العديد من المحللين في المنطقة الاستراتيجية المقترحة بشكل إيجابي، وساعد على ذلك بعض التفصيلات الأخرى في الاستراتيجية، إلا أن المحلل المدقق ينبغي له عدم الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات بمجرد القراءة السطحية السريعه، حيث يجب أن تخضع مثل هذه الأطروحات للبحث المعمق ليتم تقييمها موضوعياً.

رابعاً: الاستراتيجية ومحاورها الرئيسة

يذكر ملخص التقرير باللغة العربية: “تنتهج الاستراتيجية جهداً ذي شقين حيث تتألف من تدابير من أعلى إلى أسفل (Top-Down) لمعالجة القضايا الأمنية المباشرة، بجانب خطوات من أسفل إلى أعلى والتي تشرك وتطور رأس المال البشري في المنطقة، ويجب متابعة كل من شقي الاستراتيجية في آنٍ واحد، وليس بالترتيب؛ وسوف يقدم إطلاق الإمكانات البشرية الكاملة للمواطنين في المنطقة (الشق الثاني) في نهاية المطاف الحل لكثير من التحديات في المنطقة، وهذه هي مهمة طويلة الأجل من شأنها أن تستغرق سنوات لتؤتي ثمارها، لذلك يجب أن تبدأ على الفور، ولكن لأنها لا يمكن أن تتطور بشكل كامل دون الأمان الكافي، يجب أن تبدأ الجهود الرامية إلى إنهاء الصراعات الحالية (الشق الأول) على الفور، وكذلك يجب تنفيذ الشقين بالتوازي”.

(أ) الشق الأول من الاستراتيجية:

“المعالجة من أعلى إلى أسفل، وذلك بمشاركة فعلية من القوى الخارجية، للتحديات الجيوسياسية العاجلة للسلام الإقليمي، وذلك على المدى القريب إلى المتوسط. وهذا يعني: احتواء انتشار الصراعات الحالية، في الوقت الذي يتم فيه معالجة الأزمة الإنسانية الكبيرة، التي يواجهها اللاجئون والأشخاص النازحين داخلياً، وكذلك الدول المجاورة التي تستضيفهم، والبدء في الحد من الحروب الأهلية والإرهاب والطائفية العنيفة، التي تجتاح المنطقة، مع زيادة استقرار المنطقة بمرور الوقت”.

“ويهدف هذا الشق للحد من العنف في المنطقة بمرور الوقت إلى الحد الذي لا يعد الأمن فيه هو الشغل الشاغل، وحتى يمكن للجهود المبذولة من أسفل إلى أعلى لتطوير التعليم والمجتمعات والاقتصادات والحكم (الشق الثاني) أن تتطور وتنتشر. ولتحقيق هذه النتيجة، فإن التحدي الأساسي هو الحد من الحروب الأهلية التي كان لها هذه التأثيرات المزعزعة لاستقرار المنطقة؛ ويجب أن تكون الأولويات الأكثر إلحاحاً: تخفيف المعاناة الإنسانية الحالية في سوريا، واسترداد الأراضي التي تسيطر عليها داعش الآن في العراق وسوريا.

ولا يعتبر تنظيم داعش بمثابة التهديد الأكثر خطورة بالنسبة للولايات المتحدة وحدها فقط، ولكنه يمثل أيضاً الآن تهديداً مشتركاً لكل القوى الإقليمية الكبرى وروسيا وأوروبا وما حولهم، مما يزيد من احتمالية قدرتهم على إيجاد أرضية مشتركة. ويتطلب تنفيذ الشق الأول جهداً أكبر بقيادة الولايات المتحدة، وذلك لحماية المدنيين السوريين من نظام الأسد، ولهزيمة داعش والقاعدة في كل من سوريا والعراق”.

“على المدى الطويل، يمكن لإطار إقليمي، كما هو موضح في التقرير، أن يزيد الهدوء والاستقرار في المنطقة من خلال المساعدة في ورعاية قيام تعاون أكبر في جميع أنحاء المنطقة بشأن التحديات الرئيسية، وإضفاء الطابع المؤسسي على معايير معينة للسلوك بين الدول وداخلها”.

وتجدر الإشارة إلى أن التقرير المنشور، رغم ترويجه للدور ذي الطبيعة المختلفة الذي ستقوم به القوى الخارجية، يضرب مثالا لحالة نجاح لمثل هذا التدخل بما تم في التسعينيات من القرن العشرين في منطقة البلقان وصولا إلى اتفاقية دايتون لحل مشكلة البوسنة، ثم التدخل العسكري الذي تم لإيقاف أعمال التطهير العرقي في كوسوفو. ونحن هنا نذكر هذا الأمر دون تعليق، سلبا أو إيجابا، فقط لإلقاء الضوء على التصورات التي تنطلق منها الاستراتيجية المطروحة، والدور المنتظر من المجتمع الدولي فيها.

ومن الأمور الإيجابية الرئيسية التي يؤسس لها التقرير، نظريا على الأقل، أن الإرهاب والمشاكل الأمنية المتعلقة به تنبع في الأساس من أزمة المشروعية السياسية للنظم الحاكمة، وأن هذه المشكلات يجب أن يتم حلها أولا قبل استخدام القوة لمحاربة الإرهاب، وأن “القضية المركزية ليست هي قضية الحدود، ولكن ما تفعله الحكومات داخل هذه الحدود، بممارساتها سياسات فرق – تسد تجاه شعوبها”، حسب تعبير التقرير، وأنه لم يعد من المقبول استمرار الحكومات المستبدة في استخدام معادلة توفير الأمن للناس، ومحاولة توفير مستوى معقول من المعيشة، في مقابل الرضوخ للحكم الاستبدادي، و”على البلدان في المنطقة مزيداً من الخطوات لتحسين حكمها وحياة شعوبها، حيث كلما زادت شرعيتها، كلما توقعت مزيداً من الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ومن شركائها عبر الأطلنطي” حسب تعبير التقرير.

ويستعرض التقرير بشيء من التفصيل بعض المقترحات لتطبيق الشق الأول من الاستراتيجية، حيث يبدأ بالتعرض لدول المنطقة الأربعة الغارقة في الصراع الأهلي وهي سوريا والعراق وليبيا واليمن، ثم يتطرق لبعض الجوانب المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والحوار الاستراتيجي المطلوب بين تركيا والولايات المتحدة، ووجوب ردع التدخل الإيراني في العالم العربي لكي “يطمئن أصدقاء الولايات المتحدة وشركاؤها إلى أن الولايات المتحدة تعارض الهيمنة الإيرانية، وأنها ستعمل معهم لمنع ذلك”، وفي النهاية تتعرض لقضايا دعم اللاجئين المترتبة على الصراعات الجارية في المنطقة.

وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من أهم السمات الأخرى المميزة للشق الأول من الاستراتيجية، بما يفيد لاحقا في تقييمها، على النحو التالي:

الانتقاد الواضح لسياسات العزلة واستراتيجية عدم التدخل الصريح للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط لما ترتب على ذلك من مشكلات تهدد الولايات المتحدة ذاتها.

الاستراتيجية لا تتبنى منهجية التفكيك وإعادة التركيب للمنطقة (الفوضى الخلاقة، منهجية كوندوليزا رايس)، بل تدعو للحفاظ على الدول القائمة من خلال “نموذج جديد للحكم الوطني” يأخذ فيه المواطنون مساحة أكبر “ليحكموا أنفسهم على المستويات المحلية”.

تقول الاستراتيجية بوضوح أن المنظومات الإقليمية القائمة، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، لم تعد ملائمة لمواجهة التحديات الموجودة، مما يستوجب إدخال قوى إقليمية رئيسية، تركيا وإيران وإسرائيل، مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، في التعامل مع هذه القضايا، وفي نفس الوقت لا يكاد يكون هناك ذكر للأمم المتحدة ولا قرارات الشرعية الدولية.

تطوير عدد من الاستراتيجيات العسكرية لهزيمة داعش ودعم الأمن والاستقرار، ففي سوريا “يجب تعزيز قوى المعارضة لحماية المدنيين من نظام قاتل وقتال تنظيم داعش والقاعدة، وذلك بدعم خارجي متنامي”، وفي العراق “يجب على الجيش الوطني – مع الدعم الكامل من الفاعلين الخارجيين – أن يتولى زمام المبادرة في هزيمة تنظيم داعش”، مع دفع الأوروبيين والفاعلين الأخرين من الشرق الأوسط لتوفير دعما موحدا لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا بدلا من توفيره للفصائل الإقليمية، أما في اليمن فيجب إقناع السعودية بإعطاء الأولوية لحل سياسي للصراع، مع وقف العمليات العسكرية الحوثية قرب وعبر الحدود السعودية.

فيما يتعلق بفلسطين ذكرت الاستراتيجية، أنه “في انتظار تطبيق حل دولتين مستقر ومستدام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يجب أن تستمر مهمة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية، بل ويتم تسريعها، إلى جانب تشجيع إسرائيل على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع السلطة الفلسطينية”، و هنا لا يوجد جديد في استراتيجية الولايات المتحدة بوجه عام تجاه القضية.

الاستراتيجية بالنسبة لتركيا تنطلق من وجود مشكلات بينها وبين الولايات المتحدة، حيث تكرر الحديث عن القضايا المثارة بقوة في وسائل الإعلام الغربية في الوقت الحالي، بتحول تركيا من نموذج ناجح يجمع بين القيم الإسلامية والديمقراطية العلمانية إلى دولة تتبنى الآن نموذجاً دكتاتوريًا في الحكم، أكثر تبنيا للنظام الإسلامي، يقمع الحريات ويكرس السلطات في يد الرئيس ويطارد المعارضين، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016، إلى غير ذلك من جدليات الهجوم الإعلامي المكثف والمنتشر في الدوائر الغربية.

بل يطالب التقرير بأن تدين الحكومة التركية صراحة أية كتابات توحي بوجود دور للحكومة الأمريكية في محاولة الانقلاب الفاشلة، وتذكر الاستراتيجية أنه بناء على ذلك “”تتطلب التغيرات السياسية في تركيا بالتوازي مع المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة حواراً استراتيجياً أكثر قوة بين أنقرة وواشنطن؛ ويعتبر هذا الأمر بالغ الأهمية، ليس فقط لمعالجة المسائل ذات الاهتمام المشترك، مثل تدفقات اللاجئين وتنظيم داعش ونظام الأسد، ولكن أيضاً لحل القضايا الراهنة في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، بما في ذلك العلاقات مع الأكراد السوريين”. ويستبطن هذا الكلام ربط دخول تركيا كلاعب رئيس في المنطقة بحل تركيا للمشاكل المذكورة والتي تؤدي إلى نوع من الشد مع الولايات المتحدة.

مؤدى الاستراتيجية من وجهة نظر واضعيها أن التدابير المذكورة “سوف تجمع وتطمئن أصدقاء وحلفاء أمريكا بشأن التزامها نحوهم ونحو المنطقة، وسترسل رسالة واضحة إلى روسيا وإيران، تفيد بعودة أمريكا إلى اللعبة”، مع “اتخاذ خطوات ملموسة لردع واحتواء السلوك العدواني من جانب إيران…مما يؤدي إلى تخفيف حدة التوترات الطائفية في المنطقة”.

(ب) الشق الثاني من الاستراتيجية:

ينص الشق الثاني أنه “بينما تتم معالجة هذه التحديات الأمنية، لا بد من دعم تلك الجهود من أسفل إلى أعلى والتي توجد بدورها، على المديين المتوسط والطويل، أساساً اجتماعياً لشرق أوسط أكثر استقراراً وسلاماً وازدهاراً، وهذا يعني: دعم “البراعم الخضراء” للنشاط التجاري والمدني الذي يكون قوامه المواطن، والذي يوجد في جميع أنحاء المنطقة، وتشجيع الحكومات الإقليمية لتسهيل هذه الجهود، وللاستثمار في التعليم، وفي تمكين شعوبها، لمعالجة المشكلات المجتمعية والاقتصادية ومشكلات الحكم التي هي بمثابة مفاتيح لتحقيق الازدهار والاستقرار في المستقبل”.

يسعى هذا الشق، كما يقول التقرير، “لإطلاق الطاقات البشرية الكبيرة في المنطقة، فالمواطنون القادرون على التفكير النقدي والتصرف بشكل مستقل هم أساس أي مجتمع عصري ناجح، وهم ضروريون للمنافسة في الاقتصاد العالمي، من أجل تطوير مجتمعات نابضة بالحياة ومتسامحة، ولضمان نجاح الحكم؛ وبالتالي، فإن أهم استثمار يمكن للحكومات القيام به هو في جودة التعليم، حتى وإن كانت المكاسب بالضرورة على المدى الطويل.

كما يجب على الحكومات تهيئة بيئة مواتية للأفراد داخل المجتمع (بما في ذلك الذين شُردوا بسبب الحرب) لنشر مواهبهم بالكامل، سواء كانوا مبتكرين وأصحاب مشاريع، أو كانوا مجرد مواطنين منشغلين بالقضايا الوطنية، وهذا يعني أطراً قانونية وتنظيمية أفضل، ولكن يعني أيضاً حكماً أكثر شمولاً وفعالية وشفافية وخضوعاً للمساءلة بشكل عام؛ وينبغي على الولايات المتحدة وغيرها من أصحاب المصالح دعم تلك الحكومات، التي تحاول خلق مثل هذه البيئة التمكينية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد صندوق للتنمية في المنطقة، كما هو موضح هنا، في مشروعات البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية الأساسية بالتوازي مع هذا الجهد”.

تتحدث الاستراتيجية أيضاً عن أهمية إيجاد عقد اجتماعي جديد، حيث “أصبح العقد الاجتماعي القديم والذي تقدم بموجبه الحكومات الخدمات والأمن في مقابل الحق في الحكم، عرضة للانتقاد في جميع أنحاء المنطقة، بل وقد تم طمسه في تلك البلدان التي مزقتها الحرب الأهلية، والمطلوب الآن هو عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الحكومات ومواطنيها على أساس حكم شامل وفعال وشفاف ومسؤول. ويتعين على الحكومات ليس فقط توفير الأمن والخدمات، ولكن أيضا منح مواطنيها دوراً رئيسياً في تحديد مستقبلهم. وقد قُوضت شرعية الحكومات على المستوى الوطني في العديد من بلدان المنطقة التي تشهد حربا أهلية، ولاستعادة شرعيتها، سوف تحتاج المؤسسات الحاكمة في جميع أنحاء المنطقة من أجل إعادة بنائها وإصلاحها إلى مثل هذا العقد الاجتماعي الحديث”.

تتحدث الاستراتيجية عن نموذج جديد للحكم الوطني للدول التي تشهد صراعا، حيث “يحتاج الشرق الأوسط الجديد إلى نموذج جديد للحكم الوطني، وسيضمن هذا النموذج الوطني حكومات محلية أكثر تمكينا، وتتمتع بموارد أفضل حيث تتحمل مسؤولية السكان المحليين، وذلك كوسيلة لتعزيز الدول بدلاً من تقسيمها. وبالفعل، إذا أرادت الدول الخارجة من الحرب الأهلية الحفاظ على تماسكها داخل الحدود القائمة، وإعادة تأسيس شرعيتها كدول، فإنه يجب عليها الابتعاد عن النموذج المركزي للحكم، وأن تتجه نحو توفير المزيد من الاستقرار السياسي للحكومات الإقليمية والمحلية بجانب توفير الموارد الاقتصادية التي تمكنها من إدارة شؤونها الخاصة. وهذا لا يقل أهمية عن إصلاح المؤسسات الوطنية؛ وبالأحرى، سيتطلب ذلك قيادة شجاعة ومؤسسات قوية على الصعيد الوطني، من أجل تمكين وترسيخ الحكم على المستوى المحلي”.

تتحدث الاستراتيجية عن صندوق للتنمية كجزء من الإطار الإقليمي الجديد، لتمويل مشاريع البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية. حيث يمكن لدول المنطقة “الاستفادة من النهج الأكثر مؤسسية، وذلك بالأموال التي يديرها فريق عمل احترافي، والتي يتم توزيعها وفقا لمعايير محددة سلفاً، وتخضع لأعلى معايير من المحاسبة. وتستطيع دول المنطقة نفسها تصميم الصندوق وتوفير التمويل الأولي، وتحفيز أصحاب المصلحة الخارجيين للانضمام وتنسيق جهودهم. وسيعمل ذلك وفقا لمبدأ “أكثر مقابل أكثر”، فالدول التي توجد وتهيئ بيئة مواتية للتغيير تستطيع الحصول على التمويل والمساعدة التقنية، اللازمة للقيام بالاستثمارات الاقتصادية والاجتماعية”.

وهكذا تطمح الاستراتيجية المقترحة للتأسيس لنموذج إقليمي وردي، تتحقق من خلاله طموحات أهل المنطقة من عيش كريم وتنمية متكاملة، في إطار من بيئة سلمية خالية من النزاعات والحروب الأهلية، يمكن للدول أن تستفيد منه بقدر ما تلتزم بالمعايير التي تخضع لها المنظومة الإقليمية الجديدة.

خامساً: قراءة نقدية في الاستراتيجية “الجديدة”

تلقى عدد من المراقبين والمحللين في المنطقة العربية، في ردود فعل أولية، الاستراتيجية الجديدة التي صاغها أولبرايت وهادلي بشيء من الترحيب لما ظهر فيها من بعض الصياغات الإيجابية الواضحة، إلا أنها تعاني ممن عدد من السلبيات التي لابد من الوقوف عليها والتحسب لها.

الجوانب الإيجابية في الاستراتيجية:

القراءة الأولى للاستراتيجية تظهر عددا من الإيجابيات لا تخطئها العين، ومنها على سبيل المثال:

تدين الاستراتيجية بشكل واضح النموذج الذي اتخذته الأنظمة الاستبدادية في المنطقة بمقايضة الأمن وبعض المتطلبات المعيشية البسيطة التي توفرها للشعوب، باستمرار السيطرة والقبضة القمعية والتغاضي عن الممارسة الديمقراطية السليمة وتداول السلطة، وتوضح أن هذا النموذج ينبغي تغييره لأنه الدافع الأول لما يسمى بالإرهاب في المنطقة، وهذا ما كانت القوى الساعية للتغيير في المنطقة تطالب به الولايات المتحدة دائما على أساسأن استمرار دعم الأنظمة القمعية سيكون ذو عاقبة وخيمة على أمن واستقرار المنطقة.

التركيز الواضح في الشق الثاني من الاستراتيجية على الإصلاحات العميقة المطلوبة في دول المنطقة في شتى مجالات الحياة بما يتطلب تشجيعا قويا من القوى الخارجية الداعمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وأن التركيز الحصري على القضايا الأمنية لا يكفي، بينما ترتبط التحديات الأمنية في المنطقة ارتباطا وثيقا بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية.

النص على أن “أيام قيام القوى الخارجية بمحاولة تدبير وحتى املاء الواقع السياسي في المنطقة قد انتهت”، وذلك على الرغم من أن مجرد طرح الاستراتيجية بالشكل الحالي يستبطن نوعا من أنواع التدخل، إلا أن الاستراتيجية في أكثر من موضع توضح أن هذا الدور يأتي في إطار مسئولية الولايات المتحدة عن ضمان السلم والأمن العالمي، وأن هذا يعتبر تداخلا إيجابيا لصالح دول المنطقة، وليس تدخلا سلبيا، حيث تحتاج المنطقة لمثل هذا التداخل، وتم النص بصراحه أن “المنطقة تحتاج من القوى الخارجية أن تلعب دورا مختلفا تماما عن ذي قبل، وهو ليس بدور الاستعماري المتسيد، ولا الغازي ولا الشرطي، ولكنه دور المحفز والميسر في مساعدة شعوب المنطقة على بناء نظام إقليمي جديد”.

مع انتقاد الاستراتيجية لسياسة العزلة التي اتخذتها الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، فإنها أيضا لا تنتهج أسلوب التفكيك وإعادة التركيب الذي تعتمده مثلا استراتيجية الفوضى الخلاقة، ولكنها تنصح بحماية والحفاظ عل سلامة ووحدة الدول القائمة، لكن في إطار نموذج جديد يقوم على التوسع في التمكين على المستوى المحلي على حساب السيطرة المركزية.

الجوانب السلبية في الاستراتيجية:

على الجانب الآخر، فإن القراءة المتعمقة تظهر عدداً من الجوانب السلبية التي تثير الشكوك حول الخلفية الحقيقية لهذه الاستراتيجية، أو على الأقل قابليتها للتطبيق العملي وتحقيق الأهداف المرغوبة منها، في ظل عوامل كثيرة تتعلق بالأطراف المختلفة المتعلقة بتطبيق الاستراتيجية، وذلك على النحو التالي:

على الرغم من التطرق للدول الأربع الأكثر التهابا في المنطقة فإن الاستراتيجية لا تقدم طرحا واضحا لحلول جذرية للقضايا المتعلقة بهذه الدول، ولا تشير إلى تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول هذه القضايا، وإنما تركز في المقام الأول على هزيمة داعش، وهو ما يصب بحق في صالح المنطقة وأيضا صالح الولايات المتحدة، مع الحديث عن بعض أليات احتواء الحروب الأهلية وعدم توسع النزاعات، إلا أنه في حال عدم تقديم حلولا جذرية لهذه النزاعات فلا يمكن اعتبار أن الشق الأول من الاستراتيجية قد تحقق بما يسمح بالسير قدما في الشق الثاني منها.

بالرغم من الانتقاد الواضح لما تفعله الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، فإن الانطباع الظاهر أن تنفيذ الاستراتيجية سيكون في ظل بقاء هذه الأنظمة، وليس زوالها، بافتراض أنها ستستجيب بشكل ما للضغوط نحو الإصلاح، وهو ما ليس له أية سابقة في المنطقة، وبالتالي يلقي الكثير من الشكوك على قابلية هذه الاستراتيجية للتطبيق، بل أنه بالنسبة لبلد مثل مصر لم يأت إطلاقا ذكر أية تصورات عن مواجهة تبعات النظام العسكري الاستبدادي الموجود فيها حاليا، على أساس أن مصر ليست من المناطق الملتهبة الآن، وهذا يفقد الاستراتيجية أية مصداقية بالسماح لهكذا نظام في الاستمرار في ممارساته القمعية، بل ودعمه دولياً في ضوء الأدوار الوظيفية التي يقوم بها لصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية، بما يتناقض تماما مع الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية.

بالنظرة المتفحصة للاستراتيجية “الجديدة”، نجد أنها ليست أكثر من تطوير لما اصطلح على تسميته من قبل “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي صدر، أولاً عن كولن بأول وزير الخارجية الأميركي عام 2002، ثم تم تطويره وتبنيه من مجموعة الدول الثماني الكبرى عام 2004، والذي يتحدث عن نظام إقليمي جديد يصاحبه عمل على محاور الإصلاح المطلوب في المنطقة، وهو ما لم يمكن تحقيقه في ظروف أفضل كثيرا من الظروف التي تمر بها المنطقة في الوقت الراهن، بل أن التقرير المنشور أشار إلى سابقة اتفاقيات دايتون بالنسبة للبوسنة، والتدخل العسكري في قضية كوسوفو، وكل هذا يوضح أن الاستراتيجية بشكل عام في واقع الأمر لا يمكن اعتبارها استراتيجية جديدة، لا في منطقة الشرق الأوسط و لا في مناطق أخرى من العالم.

من الناحية العملية، وفي ضوء وجود الإدارة الأمريكية الجديدة بانتخاب دونالد ترامب (وهو بالتأكيد عامل لا يمكن تحميل وزره على واضعي الاستراتيجية)، تبرز مجموعة من التساؤلات، منها: كيف يمكن تصور التطبيق الفعلي للاستراتيجية؟ كيف يمكن مثلا تضمين إيران بينما تنوي الإدارة الأمريكية تبني سياسات مختلفة قد تعيد المواجهة معها؟ وكيف ستكون العلاقة مع تركيا في ظل الإدارة الجديدة في أعقاب فترة من الفتور سادت العلاقة مع إدارة أوباما المغادرة، و ما أثر ذلك على دور تركيا في هذه الاستراتيجية؟ وما هو أثر العلاقات المتوترة لكل من إيران وتركيا مع عدد من دول المنطقة في تفعيل المنظومة الإقليمية المقترحة؟ وكيف يمكن تحميس شعوب المنطقة للانخراط والتبني لهكذا استراتيجية في ضوء التوجه لتصنيف القوة الرئيسية السياسية والمجتمعية في أغلب دول المنطقة (جماعة اللإخوان المسلمين) كجماعة إرهابية، بل وإصدار التصريحات السلبية من الرئيس المنتخب نفسه ومن عدد من مساعديه الرئيسيين حول الإسلام نفسه، وهو دين الغالبية الساحقة لسكان المنطقة؟

تدفع الاعتبارات المذكورة أعلاه إلى التمعن في النتيجة الحقيقية لهذه الاستراتيجية، في ضوء صعوبة تحقق معظم عناصرها، و خاصة شقها الأول من الناحية العملية، فإذا نظرنا للإطار الإقليمي الذي تتحدث عنه، نجد تضمينا للقوى الثلاث الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط، من خارج الوطن العربي، وهي تركيا وإيران و إسرائيل، وهذا في حد ذاته يدفع للتساؤل حول دوافع إنشاء منظومة إقليمية تضم اللاعبين الثلاث  الرئيسيين فيها في وضع أفضل اقتصاديا وسياسيا وعسكريا من باقي دول المنطقة، في ظل قواعد تسمح بالتدخل العسكري الأمريكي من منطلق المصلحة الأمريكية العليا؟

ثم إذا أمعنا النظر بشكل أعمق، وبما سبق ذكره حول عوائق فاعلية كل من إيران وتركيا في هذه المنظومة الإقليمية، وبالنص صراحة في التقرير على عدد من المشاكل في العلاقات بين الولايات المتحدة وكلا من إيران وتركيا، نجد أن القوة الوحيدة الموجودة في وضع متميز إقليميا في الوقت الحالي، مع علاقة ممتازة منتظرة مع إدارة ترامب، هي إسرائيل، بما سيضعها بدون شك في مقعد القيادة الإقليمية، وهنا يبرز التساؤل: هل بالفعل الهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية هو التكريس للمنظومة الإقليمية التي يتزعمها الكيان الصهيوني وتستوعب فيها باقي دول المنطقة، وهو الهدف الذي يجري العمل عليه منذ نحو عشرين عاما، ويمثل قبل هذا هدفا استراتيجياً صهيونياً؟

من المهم أيضا البحث في دلالة توقيت طرح هذه المبادرة في الوقت الحالي. فالفشل الذي منيت به التنويعات الأخرى من هذه الاستراتيجية على مدار السنوات العشرين الماضية يستوجب التساؤل حول فرص نجاح الهدف الرئيس الذي تسعى إليه في الوقت الراهن. ويمكن القول إن الوضع المزري الذي وصلت إليه المنطقة، في ظل تفوق الثورات المضادة على ثورات الربيع العربي في هذه الجولة، وفي ظل تقارب الكثير من دول المنطقة علنا وسرا مع الكيان الصهيوني، وكذلك المآسي التي تمر بمعظم شعوب المنطقة، ألا يمكن أن يدفع هذا شعوب المنطقة للقبول بهذه الاستراتيجية الان خلاصا مما تعانيه، ويدفع هذا القوى الخارجية للإسراع بها قبل موجة جديدة منتظرة للربيع العربي تجهض مثل هذه المخططات الخارجية المفروضة عليها؟

في ظل النموذج الجديد المقترح للحكم الوطني، الذي يحافظ على الدول القائمة في حدودها الحالية، في ظل حكومات مركزية ضعيفة وحكم محلي قوي وتدخلات إقليمية ودولية طبقا للمعايير “الإصلاحية” المتوافق عليها، من الممكن أن تتحقق بعض المميزات على طريق التخلص من القبضة الاستبدادية للأنظمة القائمة، ولكنه سيسمح بالتدخلات الإقليمية والدولية في الشئون الداخلية، ويدفع الشعوب للاستغراق في الاهتمام بالشئون والمشكلات المحلية التفصيلية، مما يعد تراجعا في واقع الأمر عما كانت تطمح إليه من خلال ثورات الربيع العربي، ويبعدها في نفس الوقت عن الاهتمام بشئون الأمه كمفهوم جامع يساهم في حل مشكلاتها، ويضعها في إطار واسع كفيل بحل نزاعاتها الداخلية وحروبها الأهلية من منطلقات محلية غير مفروضه عليه من خارجها.

الخلاصة:

تقدم الاستراتيجية المقترحة من أولبرايت وهادلي بخصوص الشرق الأوسط نموذجًا يبدو في ظاهره جديدًا وبراقًا لمنطقة الشرق الأوسط، يربط بين حل النزاعات العسكرية والحروب الأهلية في المنطقة، مع أهمية انتهاء الممارسات الاستبدادية لأنظمة الحكم الموجودة، وبين تهيئة المناخ لشرق أوسط أكثر أمناً وازدهاراً ونموًا. إلا أن التحليل الأكثر عمقا يظهر منه الكثير من الموانع العملية لتنفيذ هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، بحيث لا يبقى منها إلا المنظومة الإقليمية الجديدة التي ستسلم القيادة فيها للكيان الصهيوني، تجاوزا لجامعة الدول العربية وأية منظومة أخرى قائمة في الوقت الحالي، وهي بذلك لا يمكن اعتبارها استراتيجية جديدة، ولكنها تبدو كتنويعات على التصور القديم حول الشرق الأوسط الجديد الذي تم طرحه عام 2004، وحتى قبل ذلك، والذي يعد المنطقة بالنمو والازدهار في مقابل الخضوع لهذه المنظومة الجديدة، إلا أنه لم يلق نجاحا أو قبولا يذكر، وبالتالي قد يرى واضعوا الاستراتيجية أن الظروف السيئة وحالة السيولة التي تمر بها المنطقة في الوقت الراهن من الممكن أن تسمح بتقبلها ومرورها على أمل تحسين تلك الأوضاع السيئة.

ورغم ما يعتور الاستراتيجية من أوجه قصور، أو من تحفظات، نرى أنه يمكن البناء على النقاط الإيجابية المقترحة في الاستراتيجية بإدارة حوارات بناءة وعميقة بين الولايات المتحدة والأطراف الفاعلة الحقيقية في المنطقة لتطوير استراتيجية فعالة وممكنة التطبيق لمواجهة الأزمات التي تمر بها المنطقة وتؤثر على الأمن والسلم العالمي، لكن هذا يتطلب شرطين أساسيين، أولهما أن تقوم القوى الفاعلة في المنطقة بإجراء حوارات داخلية ودراسة أفكار عميقة بشكل جدي لتطوير استراتيجيات نابعة من داخلها ومقبولة لشعوبها، وثانيهما أن تقبل الولايات المتحدة أن تكون الاستراتيجيات النابعة من المنطقة هي أساس الحوار الاستراتيجي معها، دون محاولة فرض أية املاءات أو آليات لا تقبلها عليها، على النحو المذكور بحق في تقرير أولبرايت -هادلي (1).

د. عمرو درّاج

عن المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية 

 

—————————————

الهامش:

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

عن henda hmili

شاهد أيضاً

ليبيا: الأزمة وحظوظ الوفاق

  ملخّص: لازال الوفاق متعثرا في المشهد الليبي الذي تمثله ثلاث قوى كبرى غير قادرة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *